سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

307

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

هذا أسلوب من السياسة الأوروبية أجادت الدول اختباره وجنت ثماره فأخذت به الشرقيين لتنال مطامعها فيهم ، فكثير من تلك الدول نصبت الحبائل في البلاد العثمانية من مصرية وغيرها من الممالك الإسلامية ولم تعدم صيداً من الأمراء والمنتسبين إلى العلم والمدنية الجديدة . واستعملتهم آلة في بلوغ مقاصدهم من بلادهم وليس عجبنا من الدهريين والزنادقة ممن يتسترون بلباس الإسلام أن يميلوا مع هذه الأهواء الباطلة ولكن نعجب من أن بعضا من سذج المسلمين مع بقائهم على عقائدهم وثباتهم في إيمانهم يسفكون الكلام في ذم التعصب الديني ويجهرون في رمي المتعصبين بالخشونة والبعد عن معدات المدنية الحاضرة ولا يعلم أولئك المسلمون أنهم بهذا يشقون عصاهم ، ويفسدون شأنهم ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المارقين يطلبون محو التعصب المعتدل وفي محوه الملة ودفعها إلى أيدي الأجانب يستعبدونها ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء . واللَّه ما عجبنا من هؤلاء ! وهؤلاء بأشد من العجب لأحوال الغربيين من الأمم الإفرنجية الذين يفرغون وسعهم لنشر هذه الأفكار بين الشرقيين ولا يخجلون من تشنيع التعصب الديني ورمي المتعصبين بالخشونة . الإفرنج أشد الناس في هذا النوع من التعصب وأحرصهم على القيام بدواعيه الأساسية في حكوماتهم السياسية - الدفاع عن دعاء الدين والقائمين بنشره ومساعدتهم على نجاح أعمالهم - وإذا عدت عادية مما لا يخلو منه الاجتماع الإنسانى على واحد منهم ممن هو على دينهم ومذهبهم في ناحية من نواحي الشرق الأقصى سمعت صياحا ونواحا عويلا وهيصات وأنباء تتلاقى في جو بلاد المدنية الغربية وينادى جميعهم : ألا قد ألمت ملمة ! وحدثت حادثة مهمة ! فاجمعوا الأمر وخذوا الأهبة لتدارك الواقعة والاحتياط من وقوع مثلها حتى لا تنخدش الجامعة الدينية ، وتراهم على اختلاف في الأجناس وتباغضهم وتحاقدهم وتنابذهم في السياسات وترقب كل دولة منهم لعثرة الأخرى حتى توقع بها السوء . يتقاربون ويتآلفون ويتحدون في توجيه قواهم الحربية والسياسية لحماية من يشاكلهم في الدين وإن كان في أقصى الصين أو قاصية من الأرض ولو تقطعت بينه وبينهم الأنساب الجنسية .